زكريا القزويني

29

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

18 فصل : في خواص الشمس وعجيب تأثيرها في العلويات والسفليات ( أما ) في العلويات فإخفاؤها جميع الكواكب ؛ لكمال شعاعها ، وإعطاؤها للقمر النور ؛ بسبب قربه منها وبعده عنها ، وجميع ما ذكرنا من فوائد القمر فائدة إذا أشرقت على الماء صعدت منه أبخرة بسبب السخونة ، فإذا بلغ البخار إلى الهواء البارد تكاثف من البرد وانعقد سحابا ثم تذهب به الرياح إلى الأماكن البعيدة عن البخار فينزل مطرا يحيي اللّه به الأرض بعد موتها ، وتظهر منه الأنهار والعيون فيصير سببا لبقاء الحيوان وخروج النبات وتكون بالمعادن وقد قال عزّ وجلّ : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ [ الأعراف : 57 ] . ( ومنها ) أمر المعادن فإن العصارات التي تنحلب في باطن الأرض في مياه الأمطار إذا اختلطت بالأجزاء الأرضية تصحبها الشمس فتتولد منها الأجساد المعدنية بحسب مواده كالذهب والفضة وسائر الفلزات ، وكالياقوت والزبرجد وسائر الأحجار النفيسة ، وكالزئبق والكبريت والزرنيخ والملح والنوشادر ، ولا يخفى عموم فوائد هذه الأشياء كلها . ( ومنها ) أمر النبات فإن الزروع والأشجار لا تنبت إلا في المواضع التي تطلع عليها الشمس ، وكذلك ، لا ينبت تحت النخل والأشجار العظيمة التي لها ظلال واسعة شيء من الزروع ؛ لأنها تمنع شعاع الشمس عما تحتها وحسبك ما ترى من تأثير الشمس بسبب الحركة اليومية في النيلوفر ، والأذريون ، وورق الخروع ؛ فإنها تنمو وتزداد عند أخذ الشمس في الارتفاع والصعود فإذا زالت الشمس أخذت في الذبول حتى إذا غابت ذبلت وضعفت ، ثم عادت في اليوم التالي إلى حالها . ( ومنها ) تأثيرها في الحيوانات ؛ فإنا نرى الحيوانات إذا طلع نور الصبح خلق اللّه تعالى في أبدانها قوة فتظهر فيها قوة حركة وزيادة نشاط وانتعاش ، وكلما كان طلوع نور الشمس أكثر إلى أن تصل إلى وسط سمائهم أخذت حركاتهم وقواهم في الضعف ، ولا تزال تزاد ضعفا إلى زمان غيوبها ، فإذا غابت الشمس رجعت الحيوانات إلى أماكنها ولزمتها كالموتى فإذا طلعت الشمس عليهم في اليوم الثاني عادوا إلى الحالة الأولى ، ومن عجيب تأثيرها في الحيوانات أن تجعل أهل البلاد القريبة عن مسامتتها كبلاد السودان الذين هم الإقليم الأول سودا محترقين ، وتجعل وجوههم من شدة الحرارة قحلة ، وجثثهم خفيفة ، وأخلاقهم وحشية شبيهة بأخلاق السباع ،